محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

41

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وتفسير هذه الوجوه الأربعة : أن تقوم عبدا للّه فيما تأتي وما تذر ، وتراقب قلبك أن لا يرى قلبك في المملكة شيئا لغيره ؛ فإن أتيت بهذا نادتك هواتف الحق من أنوار العزّ أنّك قد عميت عن طريق الرشد ، من أين لك القيام مع اللّه تعالى بالمراقبة وأنت تسمع قوله : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] فهنالك يدركك من الحياء ما يحملك على التوبة مما ظننت أنه قريب ، فالتزم التوبة بالرعاية لقلبك أن لا تشهد ذلك منك بحال فتعود إلى ما خرجت عنه ، فإن صحّت هذه منك نادتك الهواتف أيضا من قبل الحق سبحانه : التوبة منه بدت ، والإنابة منّة تتبعها واشتغالك بما هو وصف لك حجاب عن مرادك ، فهناك تظهر أوصافك فتستعيذ باللّه منها وتأخد في الاستغفار والإنابة . والاستغفار : طلب الستر من أوصافك بالرجوع إلى أوصافه ؛ فإن كنت بهذه الصفة ، أعني : الاستغفار والإنابة ناداك من قريب : اخضع لأحكامي ودع عنك منازعتي ، واستقم مع إرادتي برفض إرادتك ، وإنما هي ربوبيّة تولّت عبودية ، وكن عبدا مملوكا لا تقدر على شيء ، فمتى رأيت منك قدرة وكلتك إليها وأنا بكل شيء عليم فإن صحّ لك هذا الباب ولزمته أشرفت من هنالك على أسرار لا تكاد تسمع أحد من العالمين . طلبك منه اتهام له وطلبك له غيبة منك عنه ، وطلبك لغيره لقلة حيائك منه ، وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه . الطلب الذي يتصوّر من العبد على أربعة أوجه ، وكلّها مدخولة معلولة : طلبه من اللّه ، وطلبه له ، وطلبه لغيره ، وطلبه من غيره . فطلبه من اللّه تهمة له ، إذ لو وثق بها في إيصال منافعه إليه من غير سؤال لما طلب منه شيئا . وطلبه له غيبة عنه ، إذ الحاضر لا يطلب . وطلبه لغيره قلّة حياء منه ، إذ لو استحيا منه انقبض عمّا يكرهه له من طلبه لغيره ، ومن حقّ الحياء منه أن لا يذكر معه غيره ، ولا يؤثر عليه سواه . وطلبه من غيره لوجود بعده عنه ، إذ لو كان قريبا منه لكان غيره بعيدا عنه فلا يطلب منه فالطلب كله عند الموحّدين العارفين معلول ، سواء كان الطلب متعلقا بالحق أو بالخلق ، إلّا ما كان من الطلب على وجه التأدب والتعبّد واتباع الأمر ، وإظهار الفاقة والفقر ، فحينئذ تزول العلّة عنه . ما من نفس تبديه إلا وله فيك قدر يمضيه . الأنفاس : أزمنه دقيقة تتعاقب على العبد ما دام حيّا ، فكل نفس يبدو منه ظروف لقدر من أقدار الحق تعالى ينفذ فيه كائنا ما كان ، فإذا كانت جزئيات العبد ودقائقه قد